قصائد المجلة

السبت، 19 ديسمبر 2015

واقع اللغة العربية في الوطن الأم ... بقلم الكاتبة فايزة لعمامري



إن اللغة ظاهرة اجتماعية، لسان الفكر، عنصر من عناصر تدوين التاريخ، و ركن من أركان قيام الحضارة، و سر من أسرار النهضة الثقافية، و هي بذلك كله هوية أمة.و يقول تاريخ الأدب العربي أنه بعدما انتقلت عاصمة الخلافة العباسية من بغداد إلى القاهرة، ثم انتهى الحكم إلى يد المماليك الجاهلين باللغة العربية و علومها، ارتأى العرب استعمال شيء من ألفاظ أسيادهم من أجل عملية التواصل، فدخل اللحن على اللغة و لحق بها ما لحق من ضرر،ثم رويدا رويدا صارت اللغة العربية الفصيحة و كأنها لغة تخص اللغويين، الأدباء، و الفقهاء. . .وحدهم، و تفشت اللغة العامية كوسيلة تواصل بين و مع عامة الناس، فما هو واقع اللغة العربية في وطنها الأم اليوم؟
في الوقت الذي صارت فيه بعض اللغات لغة بائدة، لا زالت لغة الضاد محافظة على وجودها، و حققت مكاسب مهمة على الصعيد العالمي، حيث تمكنت من الدخول إلى أروقة العمل في الأمم المتحدة لتصير هذه اللغة السامية من بين ست لغات رسمية للهيئة بقرار صادف يوم 18 ديسمبر الذي اتخذ يوما عالميا لها،و إن الذي خلدها إنما الكتاب السماوي القرآن الكريم، و لذا لم تخسر معاركها من أجل البقاء في ظل تحدي اللغات الأجنبية الحية التي تمكنت من تحقيق ذاتها، خاصة و أن الأخيرة لغة التكنولوجيات، و لم يتوقف التحدي عند هذا بل صار قائما في عقر دارها، فقد امتزجت الألفاظ العربية منكسرة مع اللفظ الأجنبي للاستعمار، لتتركب لدينا جملة لا شرقية و لا غربية، و تراجعت ساعات تدريس اللغة العربية، و تفرغ البعض لتعليم لغات أخرى لأبنائهم على حساب اللغة الأم كمن يقدم ابنه لامرأة أخرى تقف على تربيته و رعايته، و إننا لا نتنكر بقولنا هذا للحضور الجميل لباقي اللغات و ضرورة تعلم بعضها رغم صدق و واقعية ما قاله مصطفى محمود: "اللغة العربية هي أصل اللغات"، و لكن إن كانت تلك ضرورة فإن هذه فرض عربي يجب أن يكون إليه سبيل و ليس لمن استطاع إليه سبيلا، و لا شك أن الإعلام العربي يأخذ النصيب الأكبر من مسؤولية التبشير بالدرجة الرفيعة و الحقيقة للغة العربية، و لكن الواقع غير ذلك، فالإعلام لا هوس له إلا اكتساب أكبر نسبة متابعة لترويج أعماله، فانجر وراء لهجة الشوارع و البيوت العربية، و لا كارثة أعظم من كارثة أن الكاتب أيضا صار ينجرّ وراء تلك اللهجة في كتاباته في الوقت الذي كان يفترض به أن يرقى بالمستوى اللغوي لقارئه صار يغازله بالنزول إلى مستوى لغته خاصة في النص الروائي، أما واقع اللغة في المجال الفني فهو واقع مرير بكل مقاييس المرارة، فاللغة العربية الفصيحة لا تكاد تظهر إلا في الأعمال الدينية و التاريخية، رغم أن هذه الأخيرة هي الأكثر نجاحا على غرار الرسالة، خالد بن الوليد، عمر بن الخطاب، عنترة بن شداد، كليوباترة. . . و ربما الملخص الأقرب إلى هذا الواقع هو ما قاله نزار قباني في أسطر: "إن اللغة العربية تضايقهم لأنهم لا يستطعون قراءتها. . .تسأل الواحد منهم عن المتنبي، فينظر إليك باشمئزاز كأنك تحدثه عن الزائدة الدودية. . .يرد عليك بأنه لا يشتري أسطوانات عربية و لا يحضر أفلاما عربية. . .، إنهم يريدون أن يفتحوا العالم و هم عاجزون عن فتح كتاب"
إن العربي الذي قدر لغته حق قدرها قد عرف قدر نفسه، و استمسك بالعروة الوثقى كعروة الشجر، و أدرك أنه لا سبيل إلى النهضة دون مقومتنا الأساسية، و لا حق لنا بالغضب على من لم يحترم تلك المقومات في الوقت الذي نخذلها نحن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

إعلانات

شعر فصحي - عامي- خاطرة- قصة